عبد الله بن محمد البطليوسي
430
الإقتضاب في شرح أدب الكتاب
وهذا الشعر لحسان بن ثابت يخاطب به أبا سفيان بن الحارث ، وكان هجا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . [ 301 ] وروى محمد بن الحسن بن دريد قال : أخبرنا السكن بن سعيد ، عن عباد بن عباد ، عن أبيه قال : أنشد النبي صلى اللّه عليه وسلم حسان بن ثابت قصيدته التي أولها « 1 » : عفت ذات الأصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء حتى انتهى إلى قوله : هجوت محمّدا وأجبت عنه * وعند اللّه في ذاك الجزاء فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : جزاؤك على اللّه الجنة يا حسان ، فلما انتهى إلى قوله : فإنّ أبي ووالده وعرضي * لعرض محمّد منكم وقاء قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : وقاك اللّه يا حسان النار ، فلما قال : أتهجوه ولست له بندّ * فشرّكما لخيركما الفداء قال من حضر : هذا أنصف بيت قالته العرب . وقوله : هجوت محمّدا وأجبت عنه : كذا الرواية ، وفيه شاهد على أن المعطوف بالواو قد يكون مرتبا بعد ما عطف عليه ، لا ينوى به التقديم والتأخير إذا كان في الكلام دليل على الترتيب . فإن لم يكن في الكلام دليل على الترتيب ، جاز أن يكون كل واحد من الاسمين هو المبدوء به ، ومثل هذا في قوله سبحانه وتعالى : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها « 2 » فإخراج الأرض أثقالها إنما هو بعد الزلزلة . والعامل في عند الاستقرار ، فمن رفع الجزاء بالابتداء وجعل عند متضمنا لخبره فلعند موضع من الإعراب ومن جعل الجزاء مرفوعا بالاستقرار ، وهو مذهب الأخفش ، فلا موضع لعند . واللام في قوله لعرض محمد في موضع نصب على الحال ، من الوقاء ، وهي حال لنكرة تقدمت عليها ، لأنه لو قال : وقاء لعرض محمد لكان المجرور في موضع الصفة لوقاء ، فلما تقدم صار في موضع نصب على الحال . وأما قوله : منكم وقاء فالمعنى : وقاء منكم ، كما تقول : وقيته بنفسي من المكروه فحكم من أن تكون متعلقة بوقاء ، ولكن لا يجوز أن تجعلها متعلقة به وقد قدمتها عليه ، لأنك تقدم صلة المصدر عليه ، ولكن تعلقها بفعل دلّ عليه وقاء كأنه قال : يقونه منكم .
--> ( 1 ) ديوانه ص 57 . ( 2 ) الزلزلة : 1 - 2 .